عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
271
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أنّها مصدريّة أي : ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الّذي كان في الجاهليّة وهو النكاح الفاسد كنكاح الشغار وغيره ، واختار هذا القول جماعة منهم ابن جرير الطبري « 1 » وقال : ولو كان معناه : ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع « ما » « من » انتهى . وتبين كونه حراما ، أو فاسدا من قوله إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً . قوله : مِنَ النِّساءِ تقدم نظيره أول السورة . فصل [ حكم نكاح مزنية الأب ] قال أبو حنيفة وأحمد : يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه وقال الشافعي : لا يحرم ، واحتج الأولون بهذه الآية ، لأنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه ، والنكاح عبارة عن الوطء لوجوه : أحدها : قوله تعالى فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] فأضاف النّكاح إلى الزّوج ، والنّكاح المضاف إلى الزّوج هو الوطء لا العقد ؛ لأن الإنسان لا يتزوج من [ زوجة ] « 2 » نفسه ؛ لأن ذلك تحصيل الحاصل ؛ ولأنّه لو كان المراد به في هذه الآية العقد لحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد ، فتعين أن يكون هو الوطء ؛ لأنه لا قائل بالفرق . وثانيها : قوله وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ [ النساء : 6 ] والمراد به الوطء لا العقد ؛ لأن أهلية العقد كانت حاصلة . وثالثها : قوله الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً ولو كان المراد العقد لزم الكذب . ورابعها : قوله عليه [ الصلاة ] « 3 » والسلام « ناكح اليد ملعون » « 4 » وليس المراد العقد فثبت بهذه الوجوه أنّ النكاح عبارة عن الوطء فلزم أن يكون المراد من قوله « ما نَكَحَ آباؤُكُمْ » أي : وطئهن آباؤكم ، فيدخل فيه المنكوحة والمزنيّ بها . فإن قيل قد ورد أيضا لفظ « النكاح » بمعنى العقد ، قال تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [ النور : 32 ] فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] . إذا نكحتم المؤمنات . وقال عليه [ الصلاة ] « 5 » والسلام : « ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح » فلم كان حمل اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد ؟
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ذكره الشيخ علي القاري في « الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة » رقم ( 1022 ) وقال : لا أصل له كما صرح به الرهاوي في حاشيته على المنار . وأورده العجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 449 ) . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) سقط في أ .